المبشر بن فاتك
319
مختار الحكم ومحاسن الكلم
ببناء مدينة عظيمة حسنة حين يرد عليك موت الإسكندر . وأعدّى فيها من الطعام والشراب ، واحشرى الناس إليها من بلاد لوبيه وأورفيه ومقدونية وآسيه ليوم معلوم إلى طعام معدّ وشراب متخذ . وتقدمى إلى الناس كافة أن يحضروا ذلك الطعام والشراب وأنّ لا يتخلف أحد عن حضور موائد الملكة . ثم نادى في الناس أن لا يحضر الملكة ولا يدخل دارها أحد أصابته مصيبة ، ليكون مأتم الإسكندر مخالفا لمواتيم العامة » . ولما فعلت ما أمرها به ودعت الناس ، لم يدخل إلى دارها أحد . فقالت : ما بال الناس مع تقدّمنا إليهم قد تخلفوا عنا ؟ فقيل لها : أمرت بأن لا يوافيك أحد أصابته مصيبة ، وكل الناس قد أصابتهم المصائب . فقالت : يا إسكندر ! ما أشبه أوائلك بأواخرك ! أحببت أن تعزينى عنك التعزية الكاملة ! وقال في فصل من كتاب له إلى أرسطوطاليس : أما بعد ! فإني راغب في المشورة ، طالب للزيادة في المعرفة ؛ أعرف مجدها ، واجتهد في الاختصاص بمنافعها . ليس تثنينى عن ذلك رغبة أظن أنى أنالها ، ولا قضية أتوهم بلوغها . وقال : إن للّه محامد تصعد عن أفواه الديانين له من كل أمة وأهل كل لسان وملة ، على الحسب الذي دانوا به والأوهام التي وقعت لهم أعلام توجهوا إليه من ذكره فأنا [ 96 ا ] أجده بجميع ما يقبله مما أحاطت به الألسن واللغات ، ورضيه مما لم ندركه ولم نحط به . وقال : اعلموا أيها المغرورون باسم الملك وحليته أنه طالما عرنى منه ما غركم ، وإن اسمه عارية عندكم ، وإن العارية مرتجعة منكم مؤداة إلى معيرها إياكم ، قليل صحبتها لكم وشيك انتقالها عنكم إلى غيركم ، كما ارتجعه معيره إياي عن قلة امتناع منى به وأورثتكموه بعدى . وإنها سمة سريع امّحاؤها عنكم ، كما امحت عنى قبلكم . وإنكم مرتهنون بما كنت مرتهنا به ؛ مسلوبون ما سلبته . ثم لن تستطيعوا امتناعا مما استسلمت له . ولعل ما مكّن لي فيه ليس بدون ما مكّن لكم منه ، إن لم يكن فوقه .